::باب العمرة::

::باب العمرة::

دخول

 

تسجيل

    English 

::باب العمرة::

الدخول إلى نظام العمرة

 .
  اختر احد فنادقنا
  المراكز الإسلامية حول العالم
.

  خدمات الموقع

 البريد الالكتروني
 تحميل البرامج
.

  دليل

مؤسسات وهيئات حكومية
مراكز تجارية
مطاعم ومخابز
مستشفيات ومراكز صحية
بنوك و مصارف
خطوط الطيران
صيدليات
.

كتب متنوعة

مختارات من القصص الصحيح في السنة النبوية ------ 8/30/2003 ------

هذا الكتاب عقده مؤلفه للحديث عن القصص النبوي الصحيح وأهميته وقد دعم كتابه بذكر العديد من القصص النبوي مع بيان الدروس والعبر والفوائد من هذا القصص وقد عقده مؤلفه في فصول عدة بدأه بالمقدمة التي ذكر فيها سبب تأليف الكتاب وتعرض فيها لأهمية الموضوع وكان مما قاله في المقدمة بعد حمد الله والثناء عليه:

فلقد أرسل الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم للناس كافة بشيراً ونذيراً، وهيأ له من الأسباب ما يعينه على أداء تلك المهمة، فأدبه فأحسن تأديبه، وأفاض عليه من فضائله ونعمه، فكان صلوات الله وسلامه عليه رحمة من الله للعالمين.
ولقد انعكس هذا على منطق النبي صلى الله عليه وسلم، فأضحت في شخصه المعاني الجرد مثلاً واقعية يلمس فيها المرء: صفاء القلب، ونظافة في السلوك، وطهارة في المنطق، وصدق الله إذ يقول في شأنه:
"وإنك لعلى خلق عظيم" (سورة القلم آية 4).


وتبدو أهمية هذا الموضوع فيما يلي:
(1) أن الغالبية العظمى من الناس تجهل قصص السنة، في الوقت الذي يدركون فيه أهمية القصة كأسلوب قرآني يشغل مساحة كبيرة في كتاب الله تعالى، ولذا عظم اهتمامهم بقصص القرآن دون قصص السنة، ويبدو هذا في كتابات العلماء والمتخصصين، إذ في الوقت الذي نرى فيه المكتبة الإسلامية تزخر بالكثير من المؤلفات عن قصص القرآن، نرى قلة قليلة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة خصصت أبحاثها بهذا الموضوع، ولكن دون استيفاء لجميع جوانبه.
ومن ثم تبقى الأمانة في عنق الدعاة لسد هذا الفراغ، بما يتناسب مع جلال الموضوع.
(2) أن الناس يستملحون القصص، ويطربون لسماعها، وهذا ما جعل مجال القصص فسيحاً لوضع الأحاديث وتلفيق الأكاذيب..
وهذا من شانه أن يُحمل الدعاة أمانة تيسير القصص النبوي الصحيح والمحقق تحقيقاً علمياً، ليكون بين يدي الناس يأخذون منه زادهم، بدلاً من اللجوء إلى المكذوب والموضوع من القصص.
لهذين السببين وغيرهما، استخرت الله تعالى في أن يكون موضوع البحث: "مختارات من القصص الصحيح في السنة النبوية- دراسة تحليلية تربوية" أملاً في القيام ببعض الواجب في سد الفراغ في هذا المجال.
هذا، وقد حاولت أن تنصب مختاراتي من الأحاديث النبوية ذات الجانب القصصي على معالجة مشاكل الأفراد والمجتمعات، مع الحرص الشديد في كل قصة على توثيقها من كتب الحديث.
ولا يزال جانب من هذه الأحاديث الصحيحة ذات الجانب القصص لم أتعرض له في هذا البحث، والأمل في الله كبير أن تتاح الفرصة بمشيئة الله تعالى لاستكمال هذا الجانب الحيوي الهام.
وأنني أضرع إلى المولى تبارك وتعالى أن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتي، وان يجزي عنا نبينا صاحب القصص خير ما يجزي به نبياً عن أمته، وأن يجزي عني والدي وأساتذتي خير ما يجزى به عباده الصالحين.

ثم عقد بعد ذلك المؤلف مدخل إلى الموضوع ثم معنى القصة والمراد منها وكذلك المراد بالسنة النبوية حتى يكون القارئ على بينة مما يكتب ثم عقد فصلا في أهمية القصص في الدعوة إلى الله وأثرها في ذلك ومما جاء فيه :

الدعوة تأتي على معنيين:
1- نشر والبلاغ. 2- الدين.
وللقصة أثر واضح في كليهما.
فعلى المعنى الأول نرى أن القصة تتمتع بالقدرة على توصيل المعلومات، وتحقيق جملة من الفوائد تتقاصر عنها سائر فنون النثر.
ويمكن تلخيص هذه الفوائد فيما يلي:
1- أن الإنسان يولع بالقصص، ويميل بفطرته غليها، وإذا ما قص عليه جزء من قصة حرص على متابعة أحداثها ليعرف مدى ما وصلت إليه.
يقول الأستاذ البهي الخولي: "غريزة حب الاستطلاع تعلق عين السامع وأذنه وانتباهه بشفتي القصصي البارع استشرافاً لمعرفة ما خفي من بقية الأنباء"
- إذا كانت الأوامر والنواهي ظنية فقط دون أن يكون لها من الواقع ما يؤيدها فإنها حينئذ تكون مدعاة للتفلت من الالتزام بها تحت ستار أنها فوق الطاقة ودون الوسع.
فكان القصص هو أسلوب التربية العملية الذي يكبح جماح الشهوات المنطلقة، ويشد من أزر المتمسكين بالحق والثابتين عليه، أسوة بمن سبقوهم على الطريق.
يقول ابن القيم: "النفس تأنس بالنظائر والأشباه الأنس التام، وتنفر من الغربة والوحدة وعدم النظير"
إعلام الموقعين 1/239).)

- يضاف إلى ما سبق أن القصة أداة سهلة الفهم، كما أنها تحظى بالقبول من العامة والخاصة على السواء، ومن ثم فقد لازمت الإنسان منذ وجوده، وما زالت تؤدي دورها في عالمنا المعاصر بصورة متقدمة جعلتها صاحبة المكانة الأولى في عالم الأدب اليوم.

بعد ذلك تحدث المؤلف عن خصائص القصة النبوية وقد تحدث عن عناصر القصة وخصائص كل عنصر مع ضرب الأمثلة التوضيحية حتى وصل إلى صلب الموضوع وهو مختارات من القصص النبوي

مختارات من القصص النبوي

ونختار من قصص السنة الصحيح في هذا المجال ما يلي:
1- قصة قاتل المائة.
2- قصة الكافل التائب والمرأة المضطرة.
وها نحن نتناولهما بإذن الله تعالى الواحدة بعد الأخرى، جاهدين أن نضع بين أيدينا ما يتعلق بكل قصة من فوائد وثمرات.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

قصة قاتل المائة:

عن أبي سعيد الخدري أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال:
"كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة؟ قال: لا. فقتله، فكمل به مائة.
ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدُل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء.
فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب.
فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله.
وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط.
فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم، فقالوا: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة.
قال قتادة: فقال الحسن: ذكر لنا أنه لما أتاه الموت نأى بصدره"
(أخرجه مسلم واللفظ له 4/2118، وأخرجه البخاري بلفظ مختصر 2/261).
البيان والشرح:
قوله: "كان فيمن كان قبلكم" هكذا مطلقاً دون تحديد، وفي رواية البخاري "كان في بني إسرائيل رجل فتل تسعة وتسعين إنساناً".
ويجمع بينهما بحمل المطلق في رواية مسلم على المقيد في رواية البخاري، فيكون الرجل من بني إسرائيل.
قوله: "قتل تسعة وتسعين نفساً" وذلك على سبيل العدوان والظلم بقرينة سؤاله عن التوبة.
"فسأل عن أعلم أهل الأرض" وكانت هذه البداية نحو الطريق الصحيح، طريق التوبة والاستغفار.
"فدل على راهب" وهذا دليل على أن القصة وقعت بعد رفع عيسى عليه السلام حيث كانت الرهبانية في أتباعه كما نص على ذلك القرآن في سورة الحديد.
(انظر فتح الباري بشرح صحيح البخاري 13/279 ابن حجر العسقلاني).
"فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة؟" كان مقتضى السياق أن يقول: "إني قتلت.." ولكنه عدل عن التكلم إلى الغيبة تنبيهاً على الأدب في حكاية مثل ذلك مما يكره النطق به.
(انظر دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ص 86 تأليف محمد بن علان الصديقي الشافعي الأشعري المكي).
قوله: (فقال: لا فقتله، فكمل به" وفي جواب الراهب ما يدل على قلة علمه من جهة، وقلة فطنته من جهة أخرى، إذ كان الجواب أن يقول فيما لا يعلم: لا أدري، وأن يحترس في جوابه عن هذا السؤال، ولا يلقي بنفسه في شراك هذا الرجل القتال، ولكنه بإجابته تلك أعانه على قتله حين آيسه من رحمة الله.
(المرجع السابق ص 87، وانظر أيضاً فتح الباري 13/280).
"ثم سأل عن اعلم أهل الأرض" دون يأس من روح الله، أو قنوط من رحمته.
"فدل على رجل عالم، فقال إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم ومن يحول بينه وبين التوبة؟" وكان مقتضى السياق أن يقول: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ولكنه عدل عن ضمير المخاطبة إلى الغيبة مجاراة للسؤال الواقع بضمير الغيبة من جهة، ومراعاة لحسن الأدب في الخطاب، وهو أن لا يضاف لوم ولو على سبيل الرمز للمخاطب.
(انظر دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ص 87).
وجاء في رواية ابن ماجة بلفظ المخاطبة المسبوق بالتعجب (ويحك ومن يحول بينك وبين التوبة)؟
(سنن ابن ماجة 2/875).
وفي رواية الطبراني وأبي يعلى" فقال: إن حدثتك على أن الله لا يتوب على من تاب كذبتك.."
(مجمع الزوائد 10/212).
ولا تعارض بين هذه الروايات، فإن مقتضى توبة الله على من تاب أن يستنكر على السائل استبعاده للتوبة بنفسه أو بواسطة غيره.
"انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء"
وفي رواية أحمد وابن ماجة:
"اخرج من القرية الخبيثة التي أنت فيها إلى القرية الصالحة، قرية كذا وكذا فاعبد ربك فيها".
(مسند أحمد 3/20، سنن ابن ماجة 2/875).
وعند الطبراني: وقعت تسمية القريتين فإحداهما يقال لها نصرة والأخرى كفرة.
(مجمع الزوائد 10/211).
قوله: "فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط".
وفي رواية ابن ماجة وأحمد: "قال إبليس: أنا أولى به إنه لم يعصني ساعة قط"
قوله: "فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم" يقول الحافظ ابن حجر: "وفي تحكيم هذا الملك فيما بينهم دليل على أن الملائكة الموكلين ببني آدم، يختلف اجتهادهم في حقهم بالنسبة إلى من يكتبونه مطيعاً أو عاصياً، ,انهم يختصمون في ذلك حتى يقضي الله بينهم"
(فتح الباري 13/280).
قوله: "فقال: قيسوا ما بين الأرضين" أي أرض المعصية الخارج منها، وأرض التوبة المقبل عليها.
قوله: "فإلى أيتهما كان أدنى فهو له" وهنا لجأ الحكم إلى استعمال قرائن الترجيح لحكم على آخر بسبب تعارض الأدلة لديه.
قال قتادة: قال الحسن: "ذكر لنا أنه لما أتاه الموت نأى بصدره" وفي رواية البخاري "فناء بصدره نحوها"
(صحيح البخاري 2/261).
قال في النهاية: "فناء بصدره" أي نهض، ويحتمل أنه بمعنى نأى: أي بعد، يقال: ناء ونأى بمعنى" .
(النهاية في غريب الحديث والأثر 5/123 مادة: نوأ).

الدروس المستفادة من القصة:
تتجلى في هذه القصة جملة من الدروس والعبر التي تعد ذات أثر فعال في جانب الدعوة إلى الله علماً وعملاً، وأهم هذه الدروس ما يلي:
1- قبول التوبة من جميع الكبائر بما فيها القتل:
هذه القصة أصل عظيم في الدلالة على قبول التوبة من المذنب، وإن تفاحش ذنبه، وتعاظم إثمه، طالما صلحت سريرته، وصلحت علانيته.
وقد نطقت بذلك آيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فالله تعالى يقول:
"قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم"
(سورة الزمر آية 53).
وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم"
(أخرجه مسلم واللفظ له 4/2016 ،..).
وفي قتل هذا الرجل لمائة، ومع ذلك حين صدق الله في توبته قبلها الله منه وعفا عنه، في هذا دليل على أن قبول الله للتائب لا يستثنى منه قاتل أو غيره، وإلى هذا ذهب جمهور الأمة.
يقول القاضي عياض في تعليقه على قصة قاتل المائة:
"وفيه أن التوبة تنفع من القتل كما تنفع من سائر الذنوب، وهو إن كان شرعاً لمن قبلنا وفي الاحتجاج به خلاف، لكن ليس هذا موضع الخلاف، لأن موضع الخلاف إذا لم يرد في شرعنا تقريره وموافقته، أما إذا ورد فهو شرع لنا بلا خلاف، ومن الوارد في ذلك قوله تعالى:
"إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"
(سورة النساء آية 48).
وحديث عبادة بن الصامت، ففيه بعد قوله: "ولا تقتلوا النفس" وغير ذلك من المنهيات: "فمن أصاب من ذلك شيئاً فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه وغن شاء عذبه"
(فتح الباري 13/2، ونص حديث عبادة بن الصامت مروي في البخاري 1/12، ومسلم 3/1333..).
وخالف يف ذلك عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وقال بعدم قبول توبة القاتل المتعمد، فعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية بمكة:
"والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر" إلى قوله: "مهانا" فقال المشركون: وما يغني عنا الإسلام وقد عدلنا بالله، وقد قتلنا النفس التي حرم الله، وأتينا الفواحش فأنزل الله عز وجل:
"إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً" إلى آخر الآية.
قال: "فأما من دخل في الإسلام وعَقَلَهُ ثم قتل فلا توبة له"
(صحيح مسلم 4/2318 كتاب التفسير).
وقد تمسك ابن عباس بقوله تعالى:
"ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً"
(سورة النساء آية 93).
ففي الحديث الصحيح عن سعيد بن جبير قال: أمرني عبد الرحمن ابن أبزي أن أسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين:
"ومن يقتل مؤمناً متعمداً" فسألته، فقال: لم ينسخها شيء.
وعن: "الذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر" قال: نزلت في أهل الشرك"
(أخرجه البخاري 3/170، ومسلم 4/317 ..).
كما تمسك ببعض الأحاديث المصرحة بشدة عذاب قاتل النفس بغير حق.
فعن سالم بن أبي الجعد قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: يا ابن عباس أرأيت رجلاً قتل مؤمناً؟ قال: جزاؤه جهنم خالداً فيها..ألخ الآية.
قال: فقال: يا ابن عباس أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحاً؟
قال: ثكلته أمه، وأنى له التوبة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن المقتول يجيء يوم القيامة متعلقاً رأسه بيمينه، أو قال بشماله آخذاً صاحبه بيده الأخرى تشخب أوداجه دماً في قِبَلِ عرش الرحمن، فيقول: رب سل هذا فيم قتلني؟"
(أخرجه النسائي 8/56، وابن ماجة 2/874، وأحمد 1/222، وقال عنه الشيخ أحمد عبد الرحمن في بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني 18/116 إسناده حسن).
وقد حمل جمهور أهل السلف وجميع أهل السنة ما ورد من ذلك على التغليظ، وقالوا في آية سورة النساء إنها تنص على أن جزاءه جهنم، وقد يجازى به وقد يجازى بغيره، وقد لا يجازى بل يعفى عنه، فالمسألة تتعلق بمشيئة الله التي يمكن بمقتضاها أن يغفر الله أي ذنب عدا الشرك.
هذا إن لم يكن عامداً مستحلاً للقتل بغير حق ولا تأويل، فإنه وقتئذ يكون كافراً مرتداً بالإجماع، وإن كان غير مستحل بل معتقد تحريمه، فهو فاسق عاص مرتكب كبيرة، جزاؤه جهنم خالداً فيها، لكن بفضل الله تعالى، ثم أخبر أنه لا يخلد من مات موحداً فيها، فلا يخلد هذا ولكن قد يعفى عنه فلا يدخل النار أصلاً، وقد لا يعفى عنه بل يعذ كسائر العصاة الموحدين ثم يذهب إلى الجنة، وهذا إن لم يتب، فإن تاب قبلت توبته، وتشهد له القصة التي بين أيدينا، فإنها إذا ثبتت لمن قبلنا، فمثله لنا أولى لما خففه الله عن هذه الأمة من الآصار، بالنسبة إلى من قبلهم من الأمم.
(انظر فتح الباري 13/281، 18/107، وانظر صحيح مسلم بشرح النووي 17/83، 18/159- وانظر عمدة القارئ شرح صحيح البخاري 13/111).
فإن قيل: وكيف تقبل توبة العبد القاتل وفي عنقه حقوق لبني آدم، وشرط التوبة رد المظالم إلى أهلها؟
ويجاب عن هذا بأن الله تعالى إذا رضي عن العبد وقبل توبته أرضى عنه خصومه.
(انظر الكرماني بشرح البخاري 14/102).

2- سعة رحمة الله عز وجل وخطورة تقنيط الناس منها:
تدل القصة برواياتها المتعددة على سعة رحمة الله تعالى، وأنها تغلب غضبه، وان صدق العبد في التوجه إلى الله يمنحه، فوق قبول الله له، توفيقاً وهداية إلى الطريق المستقيم، فإذا كانت الرواية التي وضعناها بين أيدينا في مطلع القصة، قد اقتصرت على مجرد بيان أن العبد عند قياس الملائكة للأرضين، كان اقرب إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة، فإن روايات أخرى صحيحة قد صرحت بتدخل العناية الإلهية؛ بما يفيد سعة رحمة الله ومزيد فضله على العبد التائب.
ففي رواية البخاري (2/261).
وروايات أخرى في مسلم (4/2119).
: "فأوحى الله إلى هذه أن تقربي، وأوحى إلى هذه أن تباعدي، وقال: قيسوا ما بينهما فوجد إلى هذه اقرب بشبر فغفر له".
وفي إبعاد أرض المعصية، وتقريب أرض التوبة ما يشعر بأن الله لا يقبل التوبة عن عباده وفقط، بل يزيدهم فوق القبول من فضله.
ويؤيد هذا ما جاء في الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة".
(أخرجه البخاري 4/278، ومسلم 4/2068..).
وإن كانت الرحمة من الله واسعة كما أرادها رب العزة، فمن الخطورة أن يضيق أحد من الناس ما وسعه الله لفساد في عقله، وسوء في فكره، وهذا ما تدل عليه القصة، حيث تضمنت بالإشارة ما يدل على سوء سلوك الراهب حين سد الأبواب كلها أمام التائب فقام الرجل بقتله.
يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، في قول الله تعالى:
"قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم" الآية
(سورة الزمر آية 53).
قال: "قد دعا الله تعالى إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله، ومن زعم أن المسيح هو ابن الله، ومن زعم أن عزيراً ابن الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة، يقول الله تعالى لهؤلاء:
"أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم"
(سورة المائدة آية 74).
ثم دعا إلى التوبة من هو أعظم قولاً من هؤلاء، من قال: "أنا ربكم الأعلى"
(سورة النازعات آية 24).
وقال: "ما علمت لكم من إله غيري"
(سورة القصص آية 38).
قال ابن عباس رضي الله عنهما: من آيس عباد الله من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله عز وجل"
(تفسير ابن كثير 4/59).
فليحرص الداعية على هذا المعنى، وليحذر أن يستدرجه الشيطان إلى هذا المنزلق الخطير فيضر نفسه ودعوته، وليكن له من أسلوب القرآن وهدي النبي صلى الله عليه وسلم عبرة وعظة، إذ فيهما الترغيب إلى جانب الترهيب، والبشارة إلى جانب الإنذار، والداعية الناجح هو من يصف الدواء حسب نوع الداء، ويتعامل مع كل موقف بما يناسبه من الأدلة دون إهدار أو تقليل من شأن غيرها، والله أعلم.

3- فضل العلم على العبادة:
يستفاد من هذه القصة فضل العلم على العباد، وذلك لأن إنقاذ هذا الرجل التائب من الهلكة، ودلالته على طريق الحق كانت بواسطة العالم، في حين أن الراهب العاكف على العبادة قد ضل عن وجه الصواب فعرض نفسه للهلاك بجهله، وكاد العبد التائب بسببه أن يقنط من رحمة الله.
(انظر فتح الباري 13/280، وانظر أيضاً عمدة القارئ 13/111).
ومما يؤيد فضل العلم على العبادة إلى جانب القصة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه:
"من دل على خير فله مثل أجر فاعله"
(رواه مسلم 3/1506 ..).
ووجه الاستدلال بهذا الحديث على أفضلية العلم على العبادة أن العلم عام الفائدة، فهو ينفع صاحبه ابتداء، ويعم بالخير على من سواه فيتضاعف أجره بذلك.
أما العابد فنفع عبادته عائد عليه ولا يتجاوز دائرته إلا في حدود ضيقة، ومن ثم رأى أئمة العلم وأساطينه أن الاشتغال بالعلم أفضل من صور كثيرة من العبادة.
يقول ابن عباس رضي الله عنهما: "تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها"
وقال الحسن: "العالم خير من الزاهد في الدنيا المجتهد في العبادة"
(جامع بيان العلم وفضله 1/28- 29 لأبي عمر يوسف بن عبد البر).
ويقول الإمام الشافعي: "طلب العلم أفضل من صلاة النافلة"
وقال: "ما تقرب إلى الله تعالى بشيء بعد الفرائض أفضل من طلب العلم"
(المجموع شرح المهذب 1/29 للإمام النووي).
وهذه الأفضلية ليست على إطلاقها بل هي مشروطة بشرطين:
1- موضوع العلم.
2- الغاية منه.
فلابد أن يكون علماً نافعاً ليرد صاحبه عن الردى ويدله على الهدى، وأن تكون غاية طلبه منه الاستعانة به على طاعة الله تعالى.
يقول العلامة المناوي: "العلم بمنزلة الشجرة، والعبادة بمنزلة الثمر. فالشرف للشجرة لكونها الأصل، لكن الانتفاع بثمرتها، فلابد للعبد من أن يكون له من كلا الأمرين حظ ونصيب، ولهذا قال الحسن: "اطلبوا العلم طلباً لا يضر العبادة، واطلبوا العبادة طلباً لا يضر العلم"
(فيض القدير شرح الجامع الصغير 4/434 للعلامة المناوي).


قصة الأعمى والأبرص والأقرع

وفي فصل القصة النبوية ومكارم الأخلاق يسرد الدكتور قصة الأعمى والأبرص والأقرع

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولك
"إن ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى، بدا لله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكاً، فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن، قد قذرني الناس. قال: فمسحه، فذهب عنه فأعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً.
فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل. أو قال: البقر (شك في ذلك) إن الأبرص والأقرع: قال أحدهما الإبل، وقال الآخر: البقر: فأعطي ناقة عشراء، فقال: يبارك لك فيها.
واتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا، قد قذرني الناس. قال: فمسحه فذهب عنه وأعطي شعراً حسناً.
قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر، قال: فأعطاه بقرة حاملاً، وقال: يبارك لك فيها..
وأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال يرد الله لي بصري فأبصر به الناس. قال: فمسحه فرد الله إليه بصره.
قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاة والداً.
فأنتج هذان، وولد هذا، فكان لهذا واد من إبل، ولهذا واد من بقر، ولهذا واد من الغنم.
ثم أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين تقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك. أسألك الذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن، والمال بعيراً أتبلغ عليه في سفري.
فقال له: إن الحقوق كثيرة.
فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيراً فأعطاك الله؟
فقال: لقد ورثت لكابر عن كابر.
فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت.
وأتى الأقرع في صورته وهيئته، فقال له مثل ما قال لهذا، فرد عليه مثل ما رد عليه هذا.
فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت.
واتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل وتقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري.
فقال: "قد كنت أعمى فرد الله بصري، وفقيراً فقد أغناني، فخذ ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله.
فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنكن وسخط على صاحبيك".
(أخرجه البخاري واللفظ له 2/258، وأخرجه مسلم 4/2275).

البيان والشرح:
قوله: (بدا لله) هكذا بدال بعدها ألف غير مهموزة قال في النهاية: "بدا لله عز وجل أن يبتليهم" أي قضى بذلك وهو معنى البداء هنا، لأن القضاء سابق..
(النهاية في غريب الحديث والأثر 1/109 مادة بدأ)
وفي رواية مسلم .. "أراد الله أن يبتليهم".
(صحيح مسلم 4/2275).
وتستوي رواية البخاري ورواية مسلم في أن المعنى المراد منهما ليس استحداث ما لم يكن معلوماً من قبل، فالله تعالى لا يزال عالماً مريداًن وغنما المعنى أراد إظهار علمه القديم فيهم، فهي أمور يبديها ولا يبتديها.
قوله: "فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن"
قالابن علان: لم يقتصر على طلب اللون الحسن لأن جلد الأبرص يحصل به من التقلص والتشنج والخشونة ما يزيد به قبح صاحبه وعاره، فلم يكف طلب حسن اللون حتى طلب حسن الجلد.
(دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين 1/229).
قوله: "أي المال أحب إليك؟ قال الإبل، أو قال البقر، هو شك في ذلك أن الأبرص والأقرع قال أحدهما الإبل وقال الآخر البقر، ووقع في رواية مسلم أن الذي شك في ذلك هو إسحاق بن عبد الله بن ابي طلحة.
(انظر صحيح مسلم 4/2276).
قوله: "فأعطي ناقة عشراء" قال في النهاية: العشراء (بالضم وفتح الشين والمد) التي أتى على حملها عشرة أشهر، ثم اتسع فيه فقيل لكل حامل عشراء.
(النهاية في غريب الحديث والأثر 3/240).
قوله: (شاة والداً) قال في النهاية: أي عرف عنها كثرة النتاج.
(انظر عمد القارئ 13/103).
قوله: "فأنتج هذان وولد هذا" وإنما استعمل في جانب البقر والإبل النتاج، وفي جانب الغنم الولادة مراعاة لا جرى عليه العرف.
(النهاية في غريب الحديث والأثر 5/225 مادة ولد).
قوله "ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته" والضمير في قوله "صورته وهيئته" إما أن يكون عائداً على الأبرص ويكن المعنى: أتاه مبتلى بالبرص في صورة الفقير المحتاج، وإما أن يكون عائداً على الملك، ويكون المعنى: جاءه بعد أن صار الأبرص معافى غنياً، في نفس الصورة التي جاء فيها يوم أن كان مريضاً فقيراً فدعا الله له فشفاه وأغناه.
والمرجح في نظري ، المعنى الأول ليكون ذلك أبلغ في إقامة الحجة على الأبرص، ولقول الملك: رجل مسكين..ألخ.
قوله: "فقال رجل مسكين" زاد مسلم في روايته: "وابن سبيل تقطعت بي الحبال في سفري".
قال يف النهاية: قد انقطعت بي الحبال في سفري: أي الأسباب، ومن الحبل: السبب..
(المرجع السابق 1/333 مادة حبل).
.. والأسباب المقصودة هنا هي أسباب الحصول على الرزق بقرينة طلبه ما يتبلغ به في سفره.
ولا يعد هذا الكلام من الملك كذباً يقدح في عصمته، لجواز أن يكون الله تعالى أباح له الكلام المذكور لمصلحة الابتلاء، فيكون بذلك منفذاً لأمر الله تعالى، ويجوز أن يكون المراد أنا رجل كذا وكذا فيما يظهر لي من حالي.
(انظر حاشية السندي على صحيح البخاري 2/259 على هامش الصحيح).
والرأي الأول في نظري أقوى، لأن الملك لا يفعل شيئاً من تلقاء نفسه ولكنه كما قال الله تعالى في شأنهم:
"لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون"
(سورة التحريم آية 6).
قوله: "بعيراً أتبلغ به" قال في النهاية: البلاغ ما يتبلغ به إلى الشيء المطلوب.
(النهاية في غريب الحديث والأثر 1/152 مادة بلغ).
قوله "ورثت لكابر عن كابر" قال في النهاية: ورثته كابر عن كابر أي ورثته عن آبائي وأجدادي، كبيراً عن كبير في العز والشرف.
(المرجع السابق 4/142 مادة كبر).
قوله: "فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت" قال العسقلاني: فإن قلت لم عبر بالماضي أجيب بقصد المبالغة في الدعاء عليه، والشرط ليس على حقيقته لأن الملك لم يشك في كذبه، بل هو مثل قول العامل إذا سُوَّف في عمالته: إن كنت عملت فأعطني حقي.
(إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري 3/46).
ومن الممكن أن يكون الملك قد جاء في كلامه بإن الموضوعة للشك في الشرط مع جزمه به مماشاة ومساجلة، أو أن "إن" بمعنى "إذا" .
(انظر دليل الفالحين 1/233).
قوله: "فوالله لا أجهدك بشيء أخذته لله" قال في النهاية : "أي لا أشق عليك وأردك في شيء تأخذه من مالي لله تعالى.
(النهاية في غريب الحديث والأثر 1/310 مادة: أجهد).

الدروس المستفادة من القصة:
1- شكر النعمة ضمان لاستمرارها.
تعلمنا القصة أن الله تبارك وتعالى يبتلي عباده أحيانا، بإسباغ النعم ليرى هل يشكرونها أم يكفرونها، قال تعالى:
"فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن"
(سورة الفجر آية 150).
وتعطينا القصة منهج المحافظة على هذه النعم، وذلك بدوام شكرها للحفاظ على الموجود منها. والتماساً للمزيد، قال تعالى:
"لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد"
(سورة إبراهيم آية 79).
والقصة إلى جانب هذا تضع يد الإنسان على الأسلوب الأمثل للشكر، وذلك عن طريقين:
1- أن يكثر المرء المنعم عليه بالثناء على الله صاحب النعمة، وان لا يتلفظ بما يفيد نكرانه لها، وكتمانه لحقيقته، وقد قيا: من كتم النعمة فقد كفرها، ومن أظهرها ونشرها فقد شكرها.
(مدارج السالكين 2/180 لابن القيم).
وقد استفيد هذا المعنى من قول الرجل الثالث الذي كان أعمى فعوفي "قد كنت أعمى فرد الله علي بصري، وفقيراً فقد أغناني".
2- أن يسخر النعمة فيما خلقت له. فمن كان موسراً فلينفق، ومن كان قوياً فليعن، ومن كان ذا جاه فليشفع وينفع. والله تعالى يشير إلى هذا الأسلوب العملي من الشكر في قوله:
"اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور"
(سورة سبأ آية 13).
وقد استفيد هذا المعنى من تنازل الرجل الثالث عن بعض ماله، معللا ذلك بقوله: "فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله، فكان أن دامت عليه نعمته، وحفظت من الزوال، في حين بخل صاحباه بنعمة الله عليهما وتنكرا لها، فكان أن محقت وذهبت بأكملها.

2- تقدير نعمة الله تعالى يف صحة الأبدان:
في هذه القصة إشارة إلى فضل الله الواسع بإتمامه نعمة العافية على الكثيرين منا، وذلك من جهة أن هؤلاء الثلاثة كانوا مبتلين بأنواع مختلفة من البلاء إلى جانب الابتلاء بالفقر، فما إن سئلوا، بواسطة الملك، عما هو أحب إليهم حتى بادروا جميعاً بطلب العافية.
هذا الدرس من شأنه أن يعلمنا ضرورة حمد الله وشكره على نعمة العافية، وان نقيم عليها الحراسة الدائمة باستخدامها في طاعة الله حتى لا نعرضها للزوال والفناء.
ومن كلمات المسيح عليه السلام:
"إنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية".
(موطأ مالك 2/986).
وما من شك في أن تذكر الإنسان لهذه النعم واستحضارها دائماً أمام عينيه يجعله دائم الشكر لها.
يقول الإمام أبو حامد الغزالي: "اعلم أنه لم يقصر بالخلق عن شكر النعمة إلا الجهلة والغفلة، فإنهم منعوا بالجهل والغفلة عن معرفة النعم، ولا يتصور شكر النعمة إلا بعد معرفتها، كما شكا بعضهم فقره إلى بعض أرباب البصائر، واظهر شدة اغتمامه به، فقال له:
أيسرك انك أعمى ولك عشرة آلاف درهم؟ فقال: لا.
فقال: أيسرك أنك أخرس ولك عشرة آلاف درهم؟ فقال: لا.
فقال: أيسرك أنك أقطع اليدين والرجلين ولك عشرون ألفا؟ فقال: لا .
فقال: أيسرك أنك مجنون ولك عشرة آلاف درهم؟ فقال: لا.
فقال له: أما تستحي أن تشكو مولاك وله عندك عروض بخمسين ألفاً.
(إحياء علوم الدين 2/2275، 2276).
وقد يتصور البعض أن العافية قد أودت بالأبرص والأقرع، مما يجعل الصبر على البلاء أولى من سؤال الله العافية.
والذي أراه أن العافية لا توصف في ذاتها بخير أو شر، فالذي أضر الأبرص والأقرع هو البخل.
وبالتالي فلا ضرر في أن يسأل المرء ربه العافية من البلاء.
ويؤيد ذلك فعله صلى الله عليه وسلم ودعواته، ومن ذلك ما جاء في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قال:
"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم عافني في جسدي، وعافني في بصري، واجعله الوارث مني.."
(أخرجه الترمذي 5/518 وقال: حديث حسن غريب).
ولم يقتصر صلى الله عليه وسلم على مجرد الدعاء، بل كان يأخذ بأسباب العافية فيتداوى، إذا مرض، ويحث أصحابه على ذلك، فعن أسامة بن شريك قال:
قالت الأعراب: يا رسول الله ألا نتداوى؟
قال: نعم، يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء، أو قال دواء، إلا داء واحداً، قالوا: يا رسول الله وما هو؟
قال: الهرم".
(أخرجه الترمذي واللفظ له وقال عنه حديث حسن صحيح 5/383، وأبو داود بنحوه 2/361، وابن ماجة بنحوه 2/1137، وأحمد 4/278).
وعلَّم الصحابة سؤال العافية. فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً من المسلمين قد خفت فصار مثل الفرخ. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟
قال: نعم: كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به يف الآخرة فعجله لي في الدنيا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله لا تطيقه، أو لا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؟
قال: فدعا له فشفاه".
(أخرجه مسلم واللفظ له 4/2068 والترمذي 5/521، واحمد 3/107).
ولكن على المرء أن يسأل ربه العافية لا ليطغى ويبغي، وإنما ليستعين بها على مرضاة الله، وليكن رائده في ذلك دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي علمه أصحابه وقد قال له : يا رسول الله: علمني دعاء.
قال: "قل اللهم إني أعوذ بك م شر سمعي، ومن شر بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلبي، ومن شر منيي: يعني فرجه".
(أخرجه الترمذي واللفظ له وقال عنه: حديث حسن غريب 5/524، وأخرجه أبو داود 1/387، وأخرجه النسائي 8/224).
والشاهد في هذا الحديث أن الدعاء قد انصب على التعوذ من شرور هذه الأشياء، دون التعوذ من ذاتها، لأنها قد خلقت أصلاً ليستعين المرء بها على مرضاة الله تعالى.

3- سوء عاقبة البخل:
تدل القصة على سوء عاقبة البخل وخطر الاتصاف به، حيث حمل كلا من الأبرص والأقرع على الكذب وإنكار نعمة الله تعالى عليهما.
(انظر فتح الباري 13/267).
وفي الحديث الصحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم".
(أخرجه مسلم 4/1996، وأخرجه أحمد بنحوه 2/159).


قصة الرجل الذي كان يجر إزاره خيلاء فخسف به.

عن الزهري قال: أخبرني سالم أن ابن عمر حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خُسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة".
(أخرجه البخاري بهذا اللفظ في 2/263، وأخرجه أيضاً بطريقين بنحو هذا اللفظ في 4/24.
وأخرجه مسلم بنحوه 3/1653، وأخرجه الترمذي 4/655، وأخرجه النسائي 8/182، وأخرجه الدارمي 1/116، وأخرجه أحمد 2/276).

البيان والشرح:
قوله: "بينما رجل" زاد مسلم في إحدى رواياته، وكذا أحمد والترمذي "ممن كان قبلكم"
(صحيح مسلم 3/1654، مسند أحمد 2/413، سنن الترمذي 4/655).
وهذا صريح في أن صاحب القصة فيمن مضى من الأمم، ويؤيد هذا أيضاً إيراد الإمام البخاري لقصته في باب ما ذكر عن بني إسرائيل.
هذا، وقد تعرض البعض لاسم هذا الرجل وموطنه، فقيل هو قارون، وقيل إن اسمه هيزن من أعراب فارس.
واستند القائلون بهذا إلى مرويات ضعفها علماء الحديث.
(انظر فتح الباري 22/12).
والأولى في مثل هذه الحالة أن نقف عند حد ما ذكرته السنة الصحيحة، وعدم الخوض فيما رأت من الحكمة السكوت عنه، إذ لو كان فيه فائدة لعمدت السنة إلى ذكره.
وقال آخرون إن هذا الرجل من هذه الأمة، وإخباره صلى الله عليه وسلم عنه باعتبار ما سيكون.
والرأي الأول، في نظري هو الصحيح للأدلة السابق ذكرها، وإن كان العقل لا يحيل تكرر هذه المواقف في كل عصر ومصر، ومن اجل هذا ساق النبي صلى الله عليه وسلم هذه القصة وأمثالها.
قوله: "يجر إزاره من الخيلاء" قال في النهاية: الخُيلاء والخيلاء (بالضم والكسر): الكبر والعجب، يقال: اختال فهو مختال، وفيه خيلاء ومخيلة، أي: كبر.
(النهاية في غريب الحديث والأثر 2/93 مادة: خيل).
ولئن كانت القصة قد ذكرت في شأن هذا الرجل أنه كان يجر إزاره من الخيلاء، فإن هذا لا يمنع لحوق الإثم بكل متكبر سواء ظهر تكبره في إزاره، كما هنا، أو نعاله، أو غير ذلك، إذ المقصود ذم الصفة لا المظهر.
يقول الحافظ ابن حجر: "خُص الإزار بالذكر لأنه هو الذي يظهر به الخيلاء غالباً.
(فتح الباري 12/22).
قوله: "فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة" قال في النهاية: أي يغوص في الأرض حين يخسف به، والجلجلة: حركة مع صوت.
(ابن الأثير: المرجع السابق 1/284، مادة: جلجل).

الدروس المستفادة من القصة:
· تحريم الكبر ومظاهره:
عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"العز إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذبته".
(أخرجه مسلم 4/2023).
وفي حديث قدسي:
"الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار".
(رواه أبو داود 2/413، ورواه ابن ماجة 2/1397، ورواه أحمد 2/414).
وهذا التهديد بالعذاب يواجه به كل من اتصف، ولو بالقليل في سلوكه بداء الكبر، وفي الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر".
(أخرجه مسلم 1/93، وأبو داود 2/413، والترمذي 4/361، وأخرجه احمد 1/416).
وترجع علة التشديد في الكبر إلى أنه يكسب صاحبه عجباً بنفسه، واحتقاراً لغيره فلا يقبل، بسبب كبره نصيحة من أحد، ولا يحب لأحد ما يحب لنفسه، ومن ثم تمتلئ القلوب بمقته والسخط عليه.
وبذا يكون المتكبر عديم الخير لنفسه ولمن حوله، ومن ثم حذر الإسلام من الكبر بشتى صوره، وكافة مظاهره، وشدد النكير على من يتصف ولو بالقليل منه.
وفي القصة التي معنا تحذير من أحد مظاهر الكبر، وهو جر الثياب وتطويلها بقصد الخيلاء والمفاخرة، وبيان أن مثل هذا التصرف كان سبباً في ابتلاع الأرض لرجل من السابقين..
ولمزيد التأكيد على مضمون هذه القصة من تحريم الخيلاء في الملبس، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
"من جر ثوبه مخيلة لم ينظر الله إليه يوم القيامة"
(أخرجه البخاري واللفظ له 4/24، وأخرجه النسائي 8/182، وأخرجه أحمد 2/42).
وفي لفظ آخر للحديث:
"من جر إزاره لا يريد بذلك إلا المخيلة، فإن الله لا ينظر إليه يوم القيامة".
(رواه مسلم واللفظ له 4/1652، ورواه أحمد 2/45).
فإن انتفت نية الخيلاء والعجب من نفس المسلم كان إسداله لثيابه خارجاً عن دائرة الحرمة، وإن كان ذلك لا يمنع من إلحاق حكم الكراهة بتصرفه ذاك لتشبهه بالمتكبرين، ويتأيد هذا بما جاء في صحيح الحديث عن سالم بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة.
قال أبو بكر: يا رسول الله! إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لست ممن يصنعه خيلاء".
(أخرجه البخاري 4/23، وأبو داود 2/411، والنسائي 18/184، وأخرجه أحمد 2/136).
وعلى هذا حمل العلماء ما ورد من الوعيد في شأن من أسبل ثيابه دون الكعبين على أن ذلك في حق من قصد به الخيلاء، وإلا كان مكروهاً فقط.
(انظر صحيح مسلم بشرح النووي 14/62، 63).
هذا وقد استثنت السنة النساء من المنع من إسبال الإزار ودليله قوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة حين سألته عما تصنع النساء بذيولهن؟
قال: يرخين شبراً.
فقالت: إذن تنكشف أقدامهن.
قال: فيرخينه ذراعاً ولا يزدن عليه".
(أخرجه الترمذي واللفظ له وقال عنه: حسن صحيح 4/223، وأخرجه أبو داود 2/419، وأخرجه النسائي 8/184، وأخرجه ابن ماجة 2/1185، وأخرجه مالك في الموطأ 2/915، وأخرجه الدارمي 2/279، وأخرجه احمد 2/5).
هذا، ولا يعد من الكبر في شيء في أن يتخير المرء ثيابه ونعاله من الجيد الحسن، وقد نصت على ذلك السنة الصحيحة، فعن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر.
قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنا.
قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس".
(أخرجه مسلم واللفظ له 1/93، وأخرجه الترمذي بنحوه 4/360).
وتذييل الحديث بهذه الجملة "إن الله جميل يحب الجمال" يعطي انطباعاً بأن التجمل يف الثياب ليس مياحاً فقط بل هو مستحب مرغوب فيه، ويؤيد ذلك أيضاً ما روي عن أبي الأحوص عن أبيه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في ثوب دون ، فقال: ألك مال؟
قال: نعم.
قال: من أي المال؟
قال:: قد آتاني الله من الإبل والغنم والخيل والرقيق.
قال: فإذا آتاك الله مالاً فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته".
(أخرجه أبو داود وسكت عنه 2/406).
ولئن كان الكبر بشتى مظاهره مذموماً من جميع الناس، فإنه يكون من الدعاة أشد ذماً، وذلك لحاجة الناس إلى علمهم وفقههم، فإذا تعالى الداعية على الناس، وتكبر عليهم في مظهره أو مخبره، فإنه بذلك يَضل ويُضل، ويكون علمه ودعوته حجة عليه لا له.
فما أحرى أن يتجمل الدعاة لأدب التواضع في المظهر والمخبر، ليحملوا الناس على حبهم، وبالتالي تثمر دعوتهم فيهم.
· ويستفاد من القصة أيضاً إثبات حياة البرزخ، وما فيها من عذاب أو نعيم، بدليل ما جاء في القصة من تعذيب هذا الرجل المتكبر بالغوص في الأرض دائماً وأبداً حتى تقوم الساعة.


هذه مقتطفات مما ذكره الدكتور طلعت في كتابه القصص النبوي الصحيح وقد ذكر بعد ذلك فصلين آخرين هما
قصص نبوي متشعب الموضوعات
وفصل في مختارات من قصص الأنبياء في السنة النبوية ثم بعد ذلك الخاتمة

تم تصفح هذه المقالة 1286 مرة
?IE? ?I??
 
 
::باب العمرة::

  صور

 

  تقويم

 الميلادي     شهر / يوم / سنة
 
 الهجري      شهر / يوم / سنة
     
 
 
 
 
::باب العمرة::